جلال الدين الرومي

65

فيه ما فيه

الخوف أي بذل يبذله المرء في سبيل الله يبذل أحدهم جسده وآخر ماله وثالث روحه ورابع صومه وخامس صلاته . واحد يصلى عشر ركعات وآخر مائة ركعة ، إذن فمنازلهم مصورة ومعينة ويمكن تحديدها ووصفها شأن المنازل ما بين قونية وقيصرته فهي محددة ومعروفة وهي قيماز وأبروخ وسلطان وغيرها أما منازل البحر من أنطاكية حتى الإسكندرية فلا حدود لها غير ما يعرفه البحارة ولا يعرفون أهل اليابسة بها لأنهم لن يفهموها . قال الأمير لكن القول له فائدة ؛ فإذا لم يدرك كله يدرك بعضه ويفهم ويتخيل قال إي والله ، إن شخصا بقي ساهرا ليلة حالكة وهو يعزم أن يسافر في النهار ومع أنه لا يدرى كيفية هذا السفر لكن بما أنه ينتظر النهار فإن النهار يقترب إليه أو شخص في ليلة سوداء ملبدة بالغيوم ويتعقب قافلة ولا يدرى أين وصل وأين يمر وكم من المسافة قطع . لكن حين يطلع النهار يرى مجموع سيره ويعلم أين موضعه . وكل عامل يعمل حسابه بأن الله تعالى لا يضيع عملا ولو كان غمضة عين فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ سورة الزلزلة الآية 7 ] إلا إذا كان وسط عماية سوداء ومحجوبا فإنه لا يرى كم سار وتقدم ويدرك أن الدنيا مزرعة الآخرة ما يزرعه في الدنيا يجنيه في الآخرة . كان عيسى عليه السّلام يكثر من الضحك وكان يحيى عليه السّلام يكثر من البكاء ؛ فقال يحيى لعيسى : قد أمنت المكر الدقيق القوى حتى إنك تضحك بهذا النحو ، فقال عيسى : وقد غفلت عن عنايات الحق ولطفه الدقيق الغريب حتى إنك تبكى بهذا النحو ، وكان أحد الأولياء حاضرا هذا الحوار - نسأل الله تعالى أيهما أعلى مقاما - فأجابه ( أحسنهم بي ظنّا يعنى أنا